أقولها_وأمضي طارق رمضان : اختبارٌ أم انحدار؟

, بقلم karim , شهرة : 4%

ليس من اليسير أن يكتب المرء عن طارق رمضان، فالرجل يُعدّ من بين أكبر فلاسفة المسلمين في هذا العهد، وكلّ كلّمة عنه في غير محلّها قد تكون ظلماً لهذا الإنسان أو هدراً للحقيقة. ويزداد الأمر عسراً حين يكتب المرء عن رجل تابع منتجاته
الفكرية مدة عشرين سنة، وتربطه به - علاوة على كل ذلك - وشائج معرفة مباشرة وصداقة فكرية متينة، لم تزدها الاختلافات في وجهات النظر والمواقف إلا ثراء.

وبالنّظر إلى تداخل خيوط هذا الموضوع، سأتناوله وفق منهجية التفريع والتوليف، مع التنويه المسبق أن جميع التفريعات تتساند في التحليل، ولا يلغي بعضها البعض الآخر، ولا تتعارض النقاط كما قد يبدو للوهلة الأولى، وأن التوليف وحده هو
الذي يعطي متجه الرّأي في هذه المسألة العويصة.

أولا : قبل النظر في أي تفصيل للمسألة، لقد اتفق أهل العلم والحكمة والدراية على أن فِتَن البشر من حيث - بشريتهم وأنانيتهم- والتي ينتهي عندها تصنيف جميع الخطايا هي ثلاث : السلطة والمال والجنس. وقالوا إنه ما من خصومة بين البشر
إلا وانتهى تصنيفها - في نهاية التحليل - إلى إحدى تلكم المهالك. ولا شكّ أنّ الذي نحن بصدده يعود لمسألة العلاقات الجنسية، ثالثة الأثافي. وبالنظر إلى ما يمثله طارق رمضان من رمزية قيمية على مستوى العالم، وبالنظر إلى خطابه المتماسك
ودفاعه عن أطروحات تتناقض مع الخطاب العلماني الإباحي، لا يملك الإنسان إلا أن يغلّب إحساس التنزيه أن يقع هذا الرجل الذكي المفوّه المتفرّد في مثل هذه المنحدرات. وهذا التنزيه لا يجعل الفيلسوف والمفكر طارق رمضان فوق ضعف
البشر جميعهم، كما لا ينكر من اعترف ببشرية طارق رمضان أن يكون كل بشر عرضة - نظريا - للوقوع في إحدى هته المزالق. ولا يخفى أن فئة الزعماء والوجهاء وكبار الفلاسفة والكتاب والشعراء والإعلاميين والمشاهير وغيرهم هم من أشد الفئات البشرية عرضة لمثل هذه الفتن لأسباب متعلقة بطبيعة تشكيلتهم النفسية وتركيبتهم الاجتماعية وتكونهم في البيئة الثقافية المحيطة. وإضافة إلى كل ذلك، من أشد مخاطر الشهرة هو إحساس المشتهر أن كل شيء يصير في عينه ممكنا، وهي غفلة تصيب هذا النوع، وكل فئة من البشر لها كبوتها.

ثانيا : كون الإعلام الغربي يستغلّ هذه التهمة باغتصاب امرأتين لكي يشهّر بطارق رمضان ويلطّخ فكره ويحطّ - من خلفه - من شأن مئات ملايين المسلمين في العالم، لا ينبغي أن يكون في ذلك أدنى غرابة من ناحيتين : الناحية الأولى : أن
الإعلام الغربي - في شموليته العامة لا في خصوصية هامش الحرية الذي يتيحه - يخدم أولا وقبل كل شيء مصالح استراتيجية لمموّليه وللمجتمعات الغربية، فهو لا يصطاد "لوجه الله تعالى". ومن اعتقد أن هذا الإعلام محايد وموضوعي فهو لا
يفهم في الإعلام وفهمه في الموضوعية والحياد كفهم أشعب في رواية الحديث النبوي. والناحية الثانية، أنّ هذا الإعلام نفسه لم يتردد لحظة في تدميرشخصيات أخرى كانت قاب قوسين من نيل رئاسة الدولة الفرنسية، على غرار ما حصل لدومنيك
ستروس خان وفرانسوا فيون على سبيل المثال لا الحصر، فالأول يهودي أسقطه عن رئاسة الدولة نهمه الجنسي وفضائحه مع النساء، والثاني مناصر لليمين المسيحي المتشدد وقدم نفسه على أساس النزاهة والأخلاق والقيم، وأسقطته علاقته
المختلة بالمال العام واستغلال صندوق المال المخصص لنواب البرلمان والذي كان يوزعه على أفراد من أسرته بعنوان التشغيل، ومازال القضاء لم يقل كلمته الأخيرة في هذا الموضوع، وإن كان الناخبون قد قالوا كلمة نهائية وخرج هذا الشخص
من السباق الرئاسي خروجا مهينا. وهذا يقوم دليلا على أنّ ما يجري من تسونامي إعلامي ضد طارق رمضان ليس أمرا غير مسبوق، فقد تعرّض لذلك اليهودي والمسيحي ومن لا دين له. من هنا، فإن القول بأن الإعلام الغربي خصّ طارق
رمضان بهجمة إعلامية غير مسبوقة ليس قولا دقيقا، فهذا الواقع الإعلامي هو سمة المجتمعات الغربية، وأمر مرتبط بالمجتمعات الحديثة.

ثالثا : من حيث أصل القضية، تدعي امرأتان إحداهما معاقة من رجليها وتمشي على عكازين، والثانية مطلقة، كانت تنتمي سابقا إلى تيار سلفي، تعرّضهما للاغتصاب الوحشي من طرف طارق رمضان، إحداهما في غرفة فندق في مدينة ليون
سنة 2009، والثانية في فندق باريسي سنة 2012. والأدلة المقدمة هي رسائل نصية ومراسلات عبر تطبيقات منصات التواصل الاجتماعي متبادلة بين المدعيتين وطارق رمضان، كما أضافت إحداهما أنها رأت أثر جرح طوله ثلاث سنتمترات
في عانة المدعى عليه. وبحسب ما تسرب من ملف القضية، ولا علم لي بصدق الرواية من كذبها، لا ينكر المدعى عليه طارق رمضان التواصل واللقاء مع المدعيتين، واعترف باستقباله لمدة ما بين عشرين دقيقة ونصف ساعة لإحدى المدعيتين،
بينما تقول هي أنها قضت الليلة معه في الفندق ومارس عليها أشد أنواع العنف الجنسي بما في ذلك جرّها من شعرها إلى غرفة الاستحمام والتبول عليها، وادعت أنها تبادلت معه رسائل من أجل الزواج، وأنه تم التواصل مع إمام في مدينة ليون
لكي يقوم بإجراءات الزواج، وأنها كانت تظن الأمر سيتم على ذلك النحو، إلى أن اغتصبها طارق رمضان، وقدمت في ذلك للقضاء شهادات طبية. كما أقر طارق رمضان - دائما بحسب ما تسرب من ملف المواجهة في صحافة فرنسا - بأنه تبادل
رسائل إغواء حميمية مع المدعيتين، إلا أنه لم يمارس معما أي علاقة جنسية بالمرة. ومن المتوقع أن تقوم الجهات القضائية المختصة بالتحقق من الادعاءات المقدمة من طرف المدعيتين، وردود طارق رمضان. وتقول المدعيتان أنهما قررتا
الكلام بعد موجة التشجيع العالمي الذي برز قبل أشهر في المواقع الاجتماعية، مما دفع عددا من الضحايا من النساء إلى كشف حقائق عن اغتصابهن.

رابعا : هذه التفاصيل المنشورة مهما كانت دقتها وصحّتها، لا ينبغي أبدا أن تنسي أصلا ثابتا في القضاء هو أن المتهم بريئ حتى تثبت تهمته. ولقد أثبت القضاء الفرنسي في ملفات كثيرة معقدة أنه قادر على الفصل بين المتقاضين على أسس
صلبة، ومن واجب الإعلام أن يراعي براءة المتهم ومن واجب جميع المسلمين أن يحتجوا بشدة ضدّ الإعلام الذي افتك عمل القضاة ويحاكم حاليا طارق رمضان وجده حسن البنا ويحاكم المسلمين جميعا بمناسبة هذه التهم في إساءة لا تليق
بحضارة تدعي التفوق في الحقوق الإنسانية. وفي أسوأ الاحتمالات، لو ثبتت أي تهمة على طارق رمضان، فلا يسوّغ ذلك أبدا أن تتحول المحاكمة إلى الفكر الذي يتبناه الرجل. ولقد اعترفت الكنيسة الكاثوليكية مؤخرا باغتصاب الأطفال من طرف
رجال الدين المسيحيين وعبر البابا فرانسوا عن شدة الخجل والعار من أفاعيل متدينين مصابين بالشبق في الكنيسة، قاموا بهتك حرمة النفس الإنسانية وعرضها، فلماذا لم تقم قائمة الإعلام ضد الديانة المسيحية والفكر المسيحي مع ثبوت التهم
وانتشارها في القارات الخمس، بينما ينبغي محاكمة دين الإسلام وفكر الإسلام لمجرد أن أحد الملسمين، ولو كان فيلسوفا، اتهمته امرأتان باغتصاب لم يثبت؟

خامسا : اعتبر طارق رمضان هذه القصة من نسج جهات عملت طويلا على الإيقاع به، خصوصا وأنّ أهم معلومة وهي خصوصية أثر الجرح الذي في جسد طارق رمضان ليس من الصعب أن تتم معرفتها وهو يطوف بفنادق العالم يوميا، وليس
من الصعب تمرير هذا التفصيل المزعج لإحدى المدعيتين بطريقة ما، ناهيك أن المدعية الثانية نشرت عنها الصحافة محاولتها إغواء طارق رمضان مجددا سنة 2014 أي بعد سنتين من زعمها اغتصابها من طرفه، كما أنها معروفة بالكذب،
وإهمال أولادها، وتقلبها، وهشاشة شخصيتها. ولعمري، إن يعجب المرء من شيء، فلا يكون العجب إلا ممن وقع عليها اختيار طارق رمضان من نساء للاغتصاب، فالأولى معاقة جسديا، والثانية هشة وبها ما بها...

سادسا : نحن نعيش اليوم في مجتمعات مختلفة جذريا عما كان عليه الأمر في العهود السابقة. فالهواتف الذكية والحواسيب التي نتواصل من خلالها تسجل على جميع الناس حركاتهم وسكناتهم، وليس أحد اليوم بمعزل على أن يُتهم وأن يحاكم فقط
من أجل دردشة بريئة أو لغو قاله المرء في لحظة ضعف أو باطل بدر من شخص حال غفلة المروءة أو سحابة تفكير مرّت بمخيال في أزمة ضعف أو تسيّب الرقابة الذاتية. ولذلك، فما وقع لطارق رمضان يمكنه أن يقع لأي أحد بناء على دردشة أو حديث عابر أو كلام لغو، مما يتطلب إعادة النظر جذريا في مخاطر هذه المنصات الاجتماعية التي ليس لها من الاجتماع البشري سوى قطع العلاقات وضرب المروءة ونشر التهمة. ولو كانت هذه الوسائل متاحة للأقدمين، لوصلنا عنهم من ضروب لغوهم ما يجعلنا اليوم نغير رأينا في الكثيرين منهم. وهذا الأمر يتطلب إعادة النظر في الطبيعة الاجتماعية لهذه الشبكات، وأن الاستخدامات المنحرفة التي برزت لحد الساعة هي ضد الاجتماع البشري.

سابعا : لطالما كتبت ونصحت من لكلمتي في نفسه وزن، أن نعمل - باعتبارنا مسلمين - ما استطعنا على التصالح مع ذواتنا أولا ومع المشترك الإنساني ثانيا، لكي نغلّب البعد الكوني الذي يقربنا إلى بقية البشر في خطابنا، وأن نفعّل الذكاء الجماعي التشاركي بتظافر جهودنا وخفض جناحنا لبعضنا البعض، بدل الاستعداء الأبدي الذي يرهق المجتمعات البشرية، وهو مقصد إسلامي خالص، "خذ العفو" "والصلح خير". وفي اعتقادي، هذه الرؤية إن سار في ركبها الناس اقتناعا هي التي ستجعل للمسلمين قوة يحترمها الغير ويحسبون لها ألف حساب، وهي التي ستمنع الغير من التمادي في الاستهانة بالمسلمين في كل حادثة تحدث. لا أقول أن طارق رمضان لم يعمل على ذلك في مضمون فكره، لكن يبدو لي أن الأسلوب الذي تمت به معالجة عدد كبير من القضايا الخلافية كان أسلوبا شرسا أيقظ عداوات إضافية بدل أن ينهيها. الغرب - برأيي - لن نقدر عليه بقوة الحجة. الغرب لا يعترف بغير إلا بقوة الاجتماع، لا الحجة. والقوة هي غير العنف. القوة هي جمع الضعف إلى الضعف.

أخيرا، إذا صحّ اعتراف طارق رمضان باستقباله للمدّعيتين في الفندق وتبادله معهما رسائل إغواء، على ذكائه الخارق وعلمه اليقيني بأن المخابرات تحفر له المطبّات منذ سنوات وسنوات، فإنني أستطيع أن أساند طارق رمضان دون تحفظ، وأعتقد كذلك أن كلّ مسلم
يستطيع أن يساند هذا المفكر الكبير دون تحفظ ، لكن فقط إلى الحدود الخارجية لباب غرفته في الفندق. أما ما قد يكون تم بداخل الغرفة، فالذي ينبغي أن يأخذ عنا جميعا - كمسلمين - عناء الدفاع عن طارق رمضان، فهو ذكاء طارق رمضان نفسه،
لأن أهم ما في الذكاء هو أن يمنع صاحبه من أن يقع ضحية نفسه وهواه، وإلا استوى الذكاء والغباء.

نسأل الله الستر في الدارين.

بشير العبيدي